محمد بن جرير الطبري

33

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من نار " . وكان أبو هريرة يقول ما : حدثنا به نصر بن علي الجهضمي ، قال : ثنا حاتم بن وردان ، قال : ثنا أيوب السختياني ، عن أبي هريرة ، قال : لولا آية من كتاب الله ماحدثتكم . وتلا : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : ثنا أبو زرعة وعبد الله بن راشد عن يونس قال : قال ابن شهاب ، قال ابن المسيب قال أبو هريرة : لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ إلى آخر الآية . والآية الأَخرى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ إلى آخر الآية . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ هؤلاء الذين يكتمون ما أنزله الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وأمر دينه أنه الحق من بعد ما بينه الله لهم في كتبهم ، يلعنهم بكتمانهم ذلك وتركهم تبيينه للناس . واللعنة الفعلة ، من لعنه الله بمعنى : أقصاه وأبعده وأسحقه . وأصل اللعن : الطرد ، كما قال الشماخ بن ضرار ، وذكر ماء ورد عليه : ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين يعني مقام الذئب الطريد . واللعين من نعت الذئب ، وإنما أراد مقام الذئب الطريد واللعين كالرجل . فمعنى الآية إذا : أولئك يبعدهم الله منه ومن رحمته ، ويسأل ربهم اللاعنون أن يلعنهم ؛ لأَن لعنة بني آدم وسائر خلق الله ما لعنوا أن يقولوا : اللهم العنه ، إذ كان معنى اللعن هو ما وصفنا من الإِقصاء والإِبعاد . وإنما قلنا إن لعنة اللاعنين هي ما وصفنا : من مسألتهم ربهم أن يلعنهم ، وقولهم : لعنه الله ، أو عليه لعنة الله ؛ لأَن : محمد بن خالد بن خداش ويعقوب بن إبراهيم حدثاني قالا : ثنا إسماعيل بن علية ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ البهائم ، قال : إذا أسنتت السنة ، قالت البهائم : هذا من أجل عصاة بني آدم ، لعن الله عصاة بني آدم ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله تعالى ذكره باللاعنين ، فقال بعضهم : عنى بذلك دواب الأَرض وهوامها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : تلعنهم دواب الأَرض وما شاء الله من الخنافس والعقارب تقول : نمنع القطر بذنوبهم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال : دواب الأَرض العقارب والخنافس يقولون : منعنا القطر بخطايا بني آدم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عمرو عن منصور ، عن مجاهد : وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال : تلعنهم الهوام ودواب الأَرض تقول : أمسك القطر عنا بخطايا بني آدم . حدثنا مشرف بن أبان الخطاب البغدادي قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن عكرمة في قوله : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال : يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب يقولون : منعنا القطر بذنوب بني آدم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال : اللاعنون البهائم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ البهائم تلعن عصاة بني آدم حين أمسك الله عنهم بذنوب بني آدم المطر فتخرج البهائم فتلعنهم . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ البهائم : الإِبل والبقر والغنم ، فتلعن عصاة بني آدم إذا أجدبت الأَرض . فإن قال لنا قائل : وما وجه الذين وجهوا تأويل قوله : وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إلى أن اللاعنين هم الخنافس والعقارب ونحو ذلك من هوام الأَرض ، وقد علمت أنها إذا جمعت ما كان من نوع البهائم وغير بني آدم ، فإنما تجمعه بغير الياء والنون وغير الواو والنون ، وإنما تجمعه بالتاء ، وما خالف ما ذكرنا ، فتقول اللاعنات ونحو ذلك ؟ قيل : الأَمر وإن كان كذلك ، فإن من شأن العرب إذا وصفت شيئا من البهائم أو غيرها مما حكم جمعه أن يكون بالتاء وبغير صورة جمع ذكران بني آدم بما هو من صفة الآدميين أن يجمعوه جمع ذكورهم ، كما قال تعالى ذكره : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا فأخرج خطابهم على مثال خطاب بني آدم إذ كلمتهم وكلموها ، وكما قال :